لطالما كنت فوق الجراح، وتعاليت على أسوأ ما ألم بك من مصائب، وبقيت شامخة علو السماء، نعم أنت وحدك من بقي لي... بل لنا، ولكل من يحب وطنه فقط، بعيداً عن أي تجاذبات سياسية هنا وهناك، وبعيداً عمن لا يفكرون إلا بشرعي وغير شرعي، وبكرسي هنا، ونفوذ هناك، نعم يا سيدتي، مع أسفي، هذا ما يحدث الآن.
"فلسطين" منذ ولدت، لم أسمع إلا اسمك، ولم أتربى إلا على حبك، فقد كنت قوتي الدائم، حتى كبرت، ولا زالت الهواء الذي استنشقه، كلما احتجت إلى التنفس كي أبقى على قيد الحياة، أنت وحدك فقط، هو ما يبقيني على قيد الحياة، وما يعطيني قوة الإرادة للاستمرار حتى بعد ما وصلت إليه الأمور إلى هذا الحد من التعقيدات على الصعيد الداخلي.
قالوا منذ زمن بعيد أن الدماء التي ستسيل في حضنك لن تكون إلا فداك... لكن الدماء سالت مؤخراً وهم يقتتلون عليك، محاولين سرقتك كل بحسب مصالحه، وحساباته، دون أن يفكروا ولو للحظة أنك ترفضين ذلك، ولا تقبلين بأحد منهم على حساب الآخر، لأنك لطالما كنت للجميع، نعم يا سيدتي كنت دائماً للجميع.
لا يعلمون يا سيدتي حتى الآن، أنهم طعنوك في الخاصرة، وأنك تتألمين بشدة، ورغم ذلك، لم تتفوهي بكلمة، علهم يعودون إلى رشدهم، ويصححوا ما ارتكبوا بحقك، فلطالما كنت لهم، وبهم، ومن أجلهم، ولكنهم على ما يبدو تناسوا ذلك، وأكاد أجزم أن ذلك حصل بسبب مغريات قدمت لهم، وأعمت عيونهم عنك، سامحيهم يا سيدتي، فقد كنت دائماً أكبر من الجميع.
لقد مررت بنكبات ونكسات، ونزوح، ولجوء، وحروب مستعرة، لكنك بقيت دائماً صامدة، وهو أمر يؤرق كل من حاول اغتصابك رغماً عنك، إلا أن أبناءك أنفسهم الآن، تناسوا حتى ذلك الأمر، ويحاولون جرك إلى تجاذبات ضيقة، لا قيمة لها، لما نحلم به وننتظره جميعاً، وهو استردادك منهم، لتكونين لنا ولنا وحدنا مجدداً، كما كنت دائماً.
لقد ضاقت بي السبل يا سيدتي، فرغم علمي بأن الشكوى لغير الله مذلة، إلا أنني شعرت بأنني أريد بشدة التحدث إليك، والبوح بما يجول بخاطري، علك تستطيعين التخفيف عني ولو قليلاً، لأنك فعلت ذلك دائماً.
لا أكذب إن قلت لك، أنك أنت، وأنت وحدك بعد الله يا سيدتي، من بقي لي، في زمن كهذا الزمن، الذي أصبح كل شيء فيه مباح، في زمن غرر بهم، واستطاعوا التطاول عليك، متناسين من تكونين... فرفقاً بنا وبهم، لأنك وحدك الغالية، التي سنبقى ننتظر حتى تعودين إلينا يا غالية!!.